محمد أبو زهرة

3985

زهرة التفاسير

الضلال ضد الهداية ، وضلال الطريق أن يسير في متاهة يتيه فيها ، وكلما أوغل في المتاهة ازداد ضلالة وبعد عن الغاية والنجاة من المتاهة ، فهؤلاء بحبهم للدنيا دون الآخرة ، وصدهم عن سبيل اللّه وإرادتهم الزيغ دون الحق أمعنوا في متاهة الباطل ، فبعدوا بضلالهم ، وغابوا عن الحق وسواء السبيل . والبعد إما أن يكون وصفا للضلال ، ويكون معنى ذلك أنهم أوغلوا في الضلال إيغالا حتى بعدوا عن الطريق السوى الموصل إلى الغاية المنشودة والذي هو طريق السلامة . وإما أن نقول إنه وصف للضال نفسه ، وذكر السياق وصفا للضلال من قبيل المجاز المرسل الذي يجعل المصدر هو الموصوف ، والحقيقة أن الوصف هو للضال ، واللّه أعلم . ولقد بين القرآن الكريم حقيقة ثابتة في الرسالات الإلهية ، وهي أن يكون الرسول بلسان قومه ، فقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) . مِنْ هنا لاستغراق النفي ثم الإثبات ، أي ما أرسلنا أي رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، وهذا النص الكريم يفيد أنه سبحانه لا يرسل رسولا إلا بلسان قومه الذين بعث من بينهم ، وأن البيان الأول يكون لهم ثم ينبعث نور الدعوة من ورائهم ، وكذلك كان النبيون ، فعيسى عليه السّلام بعث بلسان قومه وكانت دعوته بلسان قومه وهو العبرية ، وعمت دعوته ابتداء بلسان قومه ، والأناجيل التي حكت مواعظه في الجبل والسفح كانت بلغة قومه ابتداء ، فإذا كانت قد ظهرت بغير لغته ولغة قومه ، بل بلغة أعدائهم فإن السند يكون حينئذ منقطعا بين الرسالة ومن أرسل فيهم ، بل بينهم ، وبين الرسول ذاته ، ولذا كان تحريف القول عن موضعه . وموسى من قبل عيسى - عليهما السلام - بعث أيضا بلغة قومه وهم بنو إسرائيل ابتداء ، ثم كانت لغة فرعون عندما خاطبه هو هارون .